الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
293
تفسير روح البيان
ما يكون بينا جليا وما لا يكون كذلك والأول أفضل القسمين فذكر الجنس أولا ثم اردفه بأشرف نوعيه بل بالغ فيه فكأنه قيل إنه هدى بل هو بين من الهدى ولا شك انه في غاية المبالغة لأنه في المرتبة الثالثة فالعطف في وبينات من باب عطف التشريف فَمَنْ الفاء للتفريع والترتيب شَهِدَ اى حضر موضع الإقامة من المصر أو القرية كائنا ذلك الحاضر مِنْكُمُ الشَّهْرَ منصوب على الظرف اى في الشهر دون المفعول به لان المقيم والمسافر يشهدان الشهر فَلْيَصُمْهُ اى فليصم فيه بحذف الجار وإيصال الفعل إلى المجرور اتساعا * والمراد بالشاهد العاقل البالغ الصحيح لان كل واحد من الصبى والمجنون يشهد موضع الإقامة في الشهر مع أنه لا يجب عليهما الصوم وهذا اى الحتم ينسخ التخيير بين الصوم والإفطار والفداء وَمَنْ كانَ مَرِيضاً وان كان مقيما حاضرا فيه أَوْ عَلى سَفَرٍ وان كان صحيحا وعلى بمعنى في وحروف الصفات يقام بعضها مقام بعض فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ اى فعليه صيام أيام اخر وأعاد تخيير المريض والمسافر وترخيصهما في الإفطار لان اللّه تعالى ذكر في الآية الأولى تخيير المقيم المطيق والمسافر والمريض ونسخ في الثانية تخيير المقيم بقوله فَلْيَصُمْهُ فلو اقتصر على هذا احتمل ان يعود النسخ إلى تخيير الجميع فأعاد بعض النسخ بترخيص المسافر والمريض ليعلم انه باق على ما كان يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ حيث أباح الفطر بالسفر والمرض واليسر ما تسهل وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ اى مشقة بالصوم في المرض والسفر لغاية رأفته وسعة رحمته * قال محمد بن علي الترمذي قدس سره اليسر اسم الجنة لان جميع اليسر فيها والعسر اسم جهنم لان جميع العسر فيها معناه يريد اللّه بصومكم إدخال الجنة ولا يريد بكم إدخال النار * قال شيخنا العلامة الفضلى قدس سره في الآية ان مراده تعالى بان يأمركم بالصوم يسر الدارين لا عسرهما اما اليسر في الدنيا فالترقى إلى الملكية والروحانية والوصول إلى اليقظة والمعرفة واما العسر فيها فالبقاء مع البشرية والحيوانية والاتصاف بالأوصاف الطبيعية والنفسانية واما اليسر في الآخرة فهو الجنة والنعمة والقربة والوصلة والرؤية واما العسر فيها فهو الجحيم وعذابها ودركاتها انتهى كلامه * وقال نجم الدين في تأويلاته يعنى يريد اللّه بكم اليسر الذي هو مع العسر فلا تنظر في امتثال الأمر إلى العسر ولكن انظر إلى اليسر الذي هو مع العسر فان العاقل إذا سقاه الطبيب شرابا مرا أمر من بلاء المرض موجبا للصحة فلا ينظر العاقل إلى مرارة الشراب ولكن ينظر إلى حلاوة الصحة ولا يبالي بمرارة الشراب فيشربه بقوة الهمة انتهى : قال السعدي قدس سره وبالست دادن برنجور قند * كه داروى تلخش بود سودمند ز علت مدار اى خردمند بيم * چو داروى تلخت فرستد حكيم وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ اى وانما أمرناكم بمراعاة العدة بعد إيجاب صوم رمضان كما قال تعالى فَعِدَّةٌ اى فعليكم عدة ما افطرتم لتكملوا عدد أيام الشهر بقضاء ما افطرتم بسبب مرضكم